ابن قتيبة الدينوري

148

تأويل مشكل القرآن

باب تكرار الكلام والزّيادة فيه وأما تكرار الأنباء والقصص ، فإنّ اللّه تبارك وتعالى أنزل القرآن نجوما في ثلاث وعشرين سنة ، بفرض بعد فرض : تيسيرا منه على العباد ، وتدريجا لهم إلى كمال دينه ، ووعظ بعد وعظ : تنبيها لهم من سنة الغفلة ، وشحذا لقلوبهم بمتجدّد الموعظة ، وناسخ بعد منسوخ : استعبادا له واختبارا لبصائرهم . يقول اللّه عزّ وجل : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا ( 32 ) [ الفرقان : 32 ] . الخطاب للنبي ، صلّى اللّه عليه وسلم ، والمراد بالتثبيت هو والمؤمنون . وكان رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، يتخوّل أصحابه بالموعظة مخافة السآمة عليهم « 1 » ، أي يتعهّدهم بها عند الغفلة ودثور القلوب . ولو أتاهم القرآن نجما واحدا لسبق حدوث الأسباب التي أنزله اللّه بها ، ولثقلت جملة الفرائض على المسلمين ، وعلى من أراد الدخول في الدين ، ولبطل معنى التنبيه ، وفسد معنى النسخ ، لأن المنسوخ يعمل به مدة ثم يعمل بناسخه بعده . وكيف يجوز أن ينزل القرآن في وقت واحد : افعلوا كذا ولا تفعلوه ؟ . ولم يفرض اللّه على عباده أن يحفظوا القرآن كلّه ، ولا أن يختموه في التعلم ، وإنما أنزله ليعملوا بمحكمه ، ويؤمنوا بمتشابهه ، ويأتمروا بأمره . وينتهوا بزجره : ويحفظوا للصلاة مقدار الطاقة ، ويقرءوا فيها الميسور . قال الحسن : نزل القرآن ليعمل به ، فاتخذ الناس تلاوته عملا . وكان أصحاب رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، ورضي عنهم - وهم مصابيح الأرض وقادة الأنام ومنتهى العلم - إنما يقرأ الرّجل منهم السورتين ، والثلاث ، والأربع ، والبعض والشّطر

--> ( 1 ) لفظ الحديث : عن عبد اللّه بن مسعود ، قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة مخافة السآمة علينا . أخرجه البخاري في العلم باب 11 ، 12 ، ومسلم في المنافقين حديث 82 ، 83 ، والترمذي في الأدب باب 72 ، وأحمد في المسند 1 / 377 ، 378 ، 425 ، 427 ، 440 ، 443 ، 462 ، 465 ، 466 .